محمد بن جرير الطبري

7

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

رسول الله ، وإلى فلان بكتاب أنك رسول الله قال الله جل ثناؤه : يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً . قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن أهل التوراة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسأل ربه أن ينزل عليهم كتابا من السماء آية ، معجزة جميع الخلق عن أن يأتوا مثلها ، شاهدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدق ، آمرة لهم باتباعه . وجائز أن يكون الذي سألوه من ذلك كتابا مكتوبا ينزل عليهم من السماء إلى جماعتهم ، وجائز أن يكون ذلك كتبا إلى أشخاص بأعينهم . بل الذي هو أولى بظاهر التلاوة أن تكون مسألتهم إياه ذلك كانت مسألة لينزل الكتاب الواحد إلى جماعتهم لذكر الله تعالى في خبره عنهم الكتاب بلفظ الواحد ، بقوله : يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ ولم يقل : " كتبا " . وأما قوله : فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فإنه توبيخ من الله جل ثناؤه سائلي الكتاب الذي سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزله عليهم من السماء في مسألتهم إياه ذلك ، وتقريع منه لهم . يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم : يا محمد لا يعظمن عليك مسألتهم ذلك ، فإنهم من جهلهم بالله وجراءتهم عليه واغترارهم بحلمه ، لو أنزلت عليهم الكتاب الذي سألوك أن تنزله عليهم ، لخالفوا أمر الله كما خالفوه بعد إحياء الله أوائلهم من صعقتهم ، فعبدوا العجل ، واتخذوه إلها يعبدونه من دون خالقهم وبارئهم الذي أراهم من قدرته وعظيم سلطانه ما أراهم ؛ لأنهم لن يعدوا أن يكونوا كأوائلهم وأسلافهم . ثم قص الله من قصتهم وقصة موسى ما قص ، يقول الله : فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ يعني : فقد سأل أسلاف هؤلاء اليهود وأوائلهم موسى عليه السلام أعظم مما سألوك من تنزيل كتاب عليهم من السماء فقالوا له أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً أي عيانا نعاينه وننظر إليه . وقد أتينا على معنى الجهرة بما في ذلك من الرواية والشواهد على صحة ما قلنا في معناه فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقد ذكر عن ابن عباس أنه كان يقول في ذلك بما : حدثني به الحرث ، قال : ثنا أبو عبيد ، قال : ثنا حجاج ، عن هارون بن موسى ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن معاوية ، عن ابن عباس في هذه الآية ، قال : إنهم إذا رأوه فقد رأوه ، إنما قالوا : " جهرة أرنا الله " قال : هو مقدم ومؤخر . وكان ابن عباس يتأول ذلك أن سؤالهم موسى كان جهرة . وأما قوله : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ فإنه يقول : فصعقوا بظلمهم أنفسهم ، وظلمهم أنفسهم كان مسألتهم موسى أن يريهم ربهم جهرة ، لأن ذلك مما لم يكن لهم مسألته . وقد بينا معنى الصاعقة فيما مضى باختلاف المختلفين في تأويلها والدليل على أولى ما قيل فيها بالصواب . وأما قوله : ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ فإنه يعني : ثم اتخذ هؤلاء الذين سألوا موسى ما سألوه من رؤية ربهم جهرة ، بعد ما أحياهم الله ، فبعثهم من صعقتهم ، العجل الذي كان السامري نبذ فيه ما نبذ من القبضة التي قبضها من أثر فرس جبريل عليه السلام ، إلها يعبدونه من دون الله . وقد أتينا على ذكر السبب الذي من أجله اتخذوا العجل وكيف كان أمرهم وأمره فيما مضى بما فيه الكفاية . وقوله : مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ يعني : من بعد ما جاءت هؤلاء الذين سألوا موسى ما سألوا البينات من الله ، والدلالات الواضحات بأنهم لن يروا الله عيانا جهارا . وإنما عنى بالبينات : أنها آيات تبين عن أنهم لن يروا الله في أيام حياتهم في الدنيا جهرة ، وكانت تلك الآيات البينات لهم على أن ذلك كذلك ، إصعاق الله إياهم عند مسألتهم موسى أن يريهم ربه جهرة ، ثم إحياءه إياهم بعد مماتهم مع سائر الآيات التي أراهم الله دلالة على ذلك . يقول الله مقبحا إليهم فعلهم ذلك وموضحا لعباده جهلهم ونقص عقولهم وأحلامهم : ثم أقروا للعجل بأنه لهم إله ، وهم يرونه عيانا وينظرون إليه جهارا ، بعد ما أراهم ربهم من الآيات البينات ما أراهم ، أنهم لا يرون ربهم جهرة وعيانا في حياتهم